الشيخ محمد رشيد رضا
308
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أي وسخرنا لهم الأنهار - وهي مجاري المياه الفائضة - وهديناهم إلى الاستمتاع بها بجعلها تجري دائما من تحت مساكنهم التي يبنونها على ضفافها ، أو في الجنات والحدائق التي تتفجر خلالها ، فيتمتعون بالنظر إلى جمالها ، وبسائر ضروب الانتفاع من أمواهها ، فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ أي فكان عاقبة أمرهم لما كفروا بتلك النعم وكذبوا الرسل أن أهلكنا كل قرن منهم بسبب ذنوبهم التي كانوا يقترفونها ، وأنشأنا أي أوجدنا من بعد الهالكين من كل منهم قرنا آخرين يعمرون البلاد ويكونون أجدر بشكر نعم اللّه عليهم فيها ، والذنوب التي يهلك اللّه بها القرون ويعذب بها الأمم قسمان ( أحدهما ) معاندة الرسل والكفر بما جاءوا به ( وثانيهما ) كفر النعم بالبطر والأشر وغمط الحق واحتقار الناس وظلم الضعفاء ، ومحاباة الأقوياء ، والاسراف في الفسق والفجور ، والغرور بالغنى والثروة ، فهذا كله من الكفر بنعم اللّه واستعمالها في غير ما يرضيه من نفع الناس والعدل العام ، والآيات الناطقة بتلك الذنوب مجتمعة ومتفرقة كثيرة كقوله تعالى ( 28 : 58 وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ 59 وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ * 11 : 102 وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * 16 : 112 ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ * 17 : 17 وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) والعذاب الذي يعذب اللّه به الأمم ويهلك القرون ويديل الدول قسمان أيضا : الجوائح والاستئصال ، وفقد الاستقلال ، وقد بينا هذا وذاك في مواضع من هذا التفسير « 1 » وفي هذه الآية رد على كفار مكة وهدم لغرورهم بقوتهم وثروتهم بإزاء ضعف عصبية النبي ( ص ) وفقره ، وقد حكى اللّه تعالى عنهم ذلك بقوله ( وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ
--> ( 1 ) تراجع في فهارس التفسير وفهارس مجلدات المنار كلمة « الأمم » وكلمة « عذاب »